محمد عبد الله دراز
210
دستور الأخلاق في القرآن
الفضيلة الإلهية الّتي هي أسمى القيم الأخلاقية - قانونا عاما بالنسبة إلى جميع الكائنات العاقلة . وما دام الأمر كذلك ، أعني : ما دامت جميع القيم ليست لها القدرة على أن تأخذ شكل قانون عام ، وما دام يتحتم علينا أن نختار من بينها القيمة الّتي يمكن بحسب طبيعتها ذاتها أن تتحقق فيها هذه العمومية - فأولى بنا أن نقبل عقلا أنّه ليس من الضّروري حين تتخذ أية قاعدة للسلوك هذا الشّكل المجرد ، أو تزودنا بمقياس للخير الأخلاقي . والنّظر بعين الاعتبار إلى « عمومية » قانون ما - لا يعفى مطلقا من النّظر إلى « شرعيته » . ولما كنّا نزعم أنّه حين نقدر شرعية مبدأ معين - لو أننا اكتفينا بأن نلاحظ فيه فكرة القانون المحضة ، بصفة عامة ، دون نظر إلى مضمونه ، ومدلوله الخاص - فلسوف يصبح من المستحيل علينا أن نقرر أنّ هذا المسلك وحده أخلاقي ، دون ذاك ؛ كما يصعب علينا تحديد مجال الفضيلة ، والرّذيلة . لقد كان « كانت » يعترف بأنّ الشّيء حين يمكن استعماله حسنا من وجه ، وسيئا من وجه آخر - ليس حسنا مطلقا . . ألّا تنطبق هذه الحالة على منهجه الشّكلي ؟ إنّ المبدأ الشّكلي العام ليس سوى قالب يمكن أن نصب فيه كعكة من عجين ، أو حجرا من طين . وأعظم تناقض في النّظرية الكانتية هو أنّها تعتبر صفة أساسية ما ليس إلا صفة فرعية ، ولذلك فإنّ « كانت » يرى أنّ القانون الشّكلي هو الّذي يتخذ أساسا للخير ، وليس الخير هو الّذي يتخذ أساسا للقانون الشّكلي .